تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
والتكذيب ، فالشعور النفسي يوحى به ، والدليل النقلي الذي أتى به الرسول يصدقه ، واللّه لم يترك عملا لعباده إلا أحصاه وحفظه ، ليوفى كل عامل أجره ، فقد وكل الكرام الكاتبين المطهرين عن الغرض والنسيان بكتابته وضبطه . ثم ذكر أن الناس في هذا اليوم فريقان ، بررة مطيعون لربهم فيما به أمر وعنه نهى ، وهؤلاء يتقلبون في النعيم ، وفجرة يتركون أوامر الدين ، وأولئك يكونون في دار العذاب والهوان يقاسون حر النار ، وأنه في هذا اليوم لا يجد المرء ما يعوّل عليه سوى ما قدمت يداه ، فيجفوه الأولياء ، ويخذله الشفعاء ، ويتبرأ منه الأقرباء فلا شفيع ولا نصير ، ولا وزير ولا مشير ، والحكم للّه وحده ، وهو المهيمن على عباده ، وبيده تصريف أمورهم ، وهو الصادق في وعده ، العدل الحكيم في وعيده ، فلا مهرب لعامل مما أعدّ له من الجزاء على عمله .

الإيضاح

( كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ )
أي ارتدعوا عن الاغترار بكرمى لكم . فإنكم لا تستقيمون على ما توجبه نعمى عليكم ، ويدعوه إرشادي لكم ، بل تجترءون على ما هو أعظم منه . فتكذبون بيوم الجزاء والحساب على القليل والكثير ، يوم تبعثون للفصل بينكم ، فتجازى كل نفس بما عملت ، وما قدمت وأخرت . ثم حذرهم من تماديهم في غيهم ببيان أن أعمالهم محصاة عليهم فقال :
( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ . كِراماً كاتِبِينَ . يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ )
أي إن أعمالكم محصاة عليكم ، فقد وكل بكم ملائكة حفظة ، كرام كاتبون يحصون كل ما تعملون من خير وشر . وقد ذكر ذلك في غير موضع من الكتاب الكريم كقوله :
« عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ . ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ »
وقوله :
« وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً »
.
تفسير المراغي — صفحة 68 | أحمد مصطفى المراغي