طاعته وهو للذي خلقه فسواه وجعله على أحسن صورة . وكمله بالعقل والفهم والتدبر في عواقب الأمور ومصائرها .
الإيضاح
( يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ . الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ )
أي أيها الإنسان العاقل الذي أوتى من قوة الفكر ، وبسطة القدرة ما أوتى حتى صار بذلك أفضل المخلوقات - أىّ شئ خدعك وجرأك على عصيان ربك الكريم الذي أنعم عليك بنعمة الوجود والعقل والتدبر . ولا تزال أياديه تتوالى عليك ، ونعمه تترى لديك ؟ ألا تشكر من برأك وصورك فأحسن صورتك ، وجعلك معتدل القامة ، تامّ الخلق .
ووصف نفسه بالكريم دون القهار ، إيذانا بأن ذلك مما لا يصلح أن يكون مدارا لاغتراره ، وإغواء الشيطان له بنحو قوله : افعل ما شئت فإن ربك كريم قد تفضل عليك في الدنيا وسيفعل مثل ذلك في الآخرة ، بل هذا يصلح للمبالغة في الإقبال على الإيمان والطاعة .
والخلاصة - كأنه قيل ما حملك على عصيان ربك الذي من صفاته الكرم ، الزاجر لك عن عصيانه ومخالفة أمره ؟
قال عمر بن الخطاب وقد تلا الآية : غرّه جهله وقرأ :
« إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا »
وقال قتادة : غرّه عدوه المسلّط عليه .
ثم أجمل ما فصله أوّلا بقوله :
( فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ )
أي ركبك في صورة هي من أبهى الصور وأجملها ، وأدّ لها على بقائك الأبدي في نشأة أخرى بعد هذه النشأة . فإن الكريم يوفّى كل مرتبة من الوجود حقها ، فمن خص بهذه المنزلة الرفيعة لا ينبغي أن يعيش