وقد يكون التحديد بالألف جاريا على ما يستعملونه في تخاطبهم من إرادة الكثرة منه ، لا إرادة العدد المعين ، كما جاء في قوله :
« يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ »
.
واللّه تعالى يفضل ما شاء من زمان ومكان لمعنى من المعاني التي تدعو إلى التفضيل ، وله الحكمة البالغة .
وأي عظمة أعلى من عظمة ليلة يبتدئ فيها نزول هذا النور والهداية للناس بعد أن مضت على قومه صلى اللّه عليه وسلم حقب متتابعة وهم في ضلال الوثنية .
وأىّ شرف أرفع من شرف ليلة سطع فيها بدر المعارف الإلهية على قلب رسوله صلى اللّه عليه وسلم رحمة بعباده ، يبشرهم وينذرهم ، ويهديهم إلى الصراط المستقيم ، ويجعل منهم أمة تحرر الناس من استعباد القياصرة ، وجبروت الأكاسرة ، ويجمعهم بعد الفرقة ، ويلمّ شعثهم بعد الشتات .
فحقّ على المسلمين أن يتخذوا هذه الليلة عيدا لهم ، إذ فيها بدأ نزول ذلك الدستور السماوي ، الذي وجه المسلمين تلك الوجهة الصالحة النافعة ، ويجددوا العهد أمام ربهم بحياطته بأنفسهم وأموالهم ، شكرا له على نعمه ، ورجاء مثوبته .
ثم ذكر سبحانه بعض مزايا هذه الليلة المباركة فقال :
( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ )
أي تنزلت الملائكة من عالمها الروحاني حتى تمثلت لبصره صلى اللّه عليه وسلم ، وتمثل له الروح ( جبريل ) مبلّغا للوحي ، وهذا التجلي على النفس الكاملة كان بإذن ربهم بعد أن هيأه لقبوله ليبلغ عباده ما فيه الخير والبركة لهم .
ونزول الملائكة إلى الأرض شأن من شؤونه تعالى ، لا نبحث عن كيفيته ، فنحن نؤمن به دون أن نحاول معرفة تفاصيله وأسراره ، فما عرف العالم بعد علمه