تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
ولا قطمير ، ولا يهمل أمة تعدّت في أعمالها حدود شرائعه القويمة ، بل يأخذها بذنوبها أخذ العزيز المقتدر ، كما يأخذ الراصد القائم على الطريق من يمر به بما يريد من خير أو شر ، لا يفرّط فيما رصد له . وقد أجمل اللّه في هذه الآيات ما أوقعه بهذه الأمم من العذاب ، وفصله في غير موضع من كتابه الكريم ، فقال في سورة الحاقة :
« فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ . سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً . فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ . فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ »
وقال :
« وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ . فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً »
. والحكمة في تكرار القصص في القرآن الكريم ، وفي ذكر بعضها على طريق الإشارة في بعض المواضع ، وبالتفصيل في بعض آخر - أنه قد يكون الغرض تارة إقامة الحجة على قدرته تعالى ، وتوحده في ملكه ، وقهره لعباده حينا ، وترقيق قلوب المخاطبين حينا آخر ، وإنذار عباده وإعذارهم مرة ثالثة ، ولا شك أن كل مقام من الكلام له لون منه من بسط أو إيجاز لا يكون لغيره . وقد عرفت أن الغرض هنا تطييب خاطر الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه بأن اللّه سيمهل الكافرين ولا يهملهم ، وهو ليس بغافل عنهم ، وحينئذ تدرك أن الإشارة إلى أن هذه الأمم أخذت وعذبت ولم تترك سدى - كافية جدّ الكفاية لمن فكر وتدبر .

[ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 15 إلى 16 ]

فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ( 16 )
تفسير المراغي — صفحة 145 | أحمد مصطفى المراغي