تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧

الإيضاح

( فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ )
أي إن الإنسان إذا أنعم اللّه عليه وأوسع له في الرزق - زعم أن هذا الذي هو فيه من السعة - إكرام من اللّه له ، وخيّل إليه الوهم أن اللّه لا يؤاخذه غلى ما يفعل ، فيطغى ويفسد في الأرض .
( وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ )
أي وإن رأى أن رزقه لا يأتيه إلا بقدر ظن أن ذلك إهانة من اللّه له وإذلال لنفسه . والإنسان في الحالين مخطئ مرتكب أشنع وجوه الغفلة ، لأن إسباغ النعمة في الدنيا على أحد لا يدل على أنه مستحق لذلك ، ولو دل على هذا لما رأيت عاصيا موسعا عليه في الرزق ، ولا شاهدت كافرا ينعم بصنوف النعم . ولعل من حكمة اللّه في بسط الرزق على بعض الناس وتضييقه على بعض آخر أن وجدان المال سبب للانغماس في الشهوات ، وأنه قاطع عن الاتصال باللّه ، وأن فقدانه وسيلة لتمحيص المرء وابتلائه ليكون من الصابرين الذين وعدوا بالجنة . انظر إلى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما كان يدعو به ربه من قوله : « اللهم أحيني مسكينا ، وأمتنى مسكينا ، واحشرني في زمرة المساكين » تدرك سر ذلك . إلى أن من يمتحنهم اللّه بإسباغ النعمة عليهم يظنون أن اللّه قد اصطفاهم على عباده ورفعهم فوق سائر خلقه ، ثم لا يزال بهم شيطان الغواية حتى يذهبوا مع أهوائهم كل مذهب ، ويسيروا في طريق شهواتهم المهلكة إلى أبعد غاية ، لا يرجعون إلى ربهم ، ولا يدركون أن ما عنده خير وأبقى .