ثم قرر فخامة الأشياء التي أقسم بها قبل ، وكونها أهلا لأن تعظم فقال :
( هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ )
الحجر ( بكسر الحاء وسكون الجيم ) العقل ، ويقولون : فلان ذو حجر : إذا كان قاهرا لنفسه ، ضابطا لها ، مضيّقا عليها .
والمراد أن من كان ذا لبّ وعقل يفطن إلى أن في القسم بهذه المخلوقات المشتملة على باهر الحكمة ، وعجيب الصنعة ، الدالة على وحدانية صانعها - مقنعا أيّما مقنع ، وكفاية أعظم كفاية .
وجاء الكلام بصورة الاستفهام لتأكيد المقسم عليه وتقريره ، كما تقول لمن يحاجّك في أمر ثم تقيم له الحجة الناصعة التي تثبت ما تدّعى : هل فيما ذكرت لك كفاية ، ومرادك أنى قد ذكرت لك أقوى الحجج وأبينها ، فلست تستطيع جحد ما قلت بعد هذا .
وجواب القسم محذوف يدل عليه قوله بعد :
« أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ »
الآية ، ويقدر بنحو قوله إن ناصية المكذبين بيدي ، ولئن أمهلتهم فلن أهملهم ، ولآخذنهم أخذ الأمم قبلهم ، وقد ترك لتسترسل نفس القارئ في تأمل ما مضى وما يتبع ليجد الجواب بينهما ، فيتمكن المعنى لديه فضل تمكن .
[ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 6 إلى 14 ]
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ( 6 ) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ( 7 ) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ( 8 ) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ ( 9 ) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ ( 10 )
الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ( 11 ) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ ( 12 ) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ( 13 ) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ( 14 )
شرح المفردات
عاد : جيل من العرب البائدة يقولون إنه من ولد عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام ، ويلقب أيضا بإرم ، وذات العماد : أي سكان الخيام ، وكانت منازلهم بالرمال والأحقاف إلى حضر موت .