تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
ثم توعّدهم وهدّدهم فقال :
( وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا )
أي وإذا شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلا منهم . ونحو الآية قوله :
« إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً »
وقوله :
« إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ، وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ » *
وقوله :
« عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ »
. وقد جرت سنة اللّه بأن يزيل ما لا يصلح للرقى من خلقه ، فهو يهلك هؤلاء ويبدل أمثالهم فيجعلهم مكانهم ، كما هي قاعدة بقاء الصلاح والأصلح ، وإهلاك ما لا يصلح للبقاء . وبعد أن ذكر أحوال السعداء والأشقياء أرشد إلى أن في هذا الذكر تذكرة وموعظة للخلق ، وفوائد جمة لمن ألقى سمعه ، وأحضر قلبه ، وكانت نفسه مقبلة على ما ألقى إليه سمعه ، فقال :
( إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا )
أي إن هذه السورة بما فيها من ترتيب بديع ، ونسق عجيب ، ووعد ووعيد ، وترغيب وترهيب ، تذكرة للمتأملين ، وتبصرة للمستبصرين ، فمن شاء الخير لنفسه في الدنيا والآخرة ، فليتقرب إلى ربه بالطاعة ، ويتبع ما أمره به ، وينته عما نهاه عنه ، ليحظى بثوابه ، ويبتعد عن عقابه .
( وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ )
أي وما تشاءون اتخاذ السبيل الموصلة إلى النجاة ولا تقدرون على تحصيلها إلا إذا وفقكم اللّه لاكتسابها ، وأعدّكم لنيلها ، إذ لا دخل لمشيئة العبد إلا في الكسب ، وإنما التأثير والخلق لمشيئة اللّه عزّ وجل ، فمشيئة العبد وحدها لا نأتى بخير ، ولا تدفع شرا ، وإن كان يثاب على المشيئة الصالحة ، ويؤجر على قصد الحير كما في حديث : « إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى » .