تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
وقد جرت العادة أن الداعي تصادفه عقبتان : ( 1 ) الغرور والفخر والعظمة ، فيقول أنا مسد للنعم إليكم ، ومفيض للخير عليكم . ( 2 ) الأعداء ، وهؤلاء يؤذونه ويتربصون به الدوائر ، ويتتبعونه في كل مكان ويتألّبون عليه ليل نهار ، وذلك من أكبر العوامل المثبطة للدّعاة التي تجعلهم يكرّون راجعين ويقولون : ما لنا ولقوم لا يسمعون قولنا ، ولنبتعد عن الناس ، فإنهم لا يعرفون قدر النعم ، ولا يشكرون المنعمين ، ومن ثم قال تعالى :
( وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ )
أي ولا تمنن على أصحابك بما علّمتهم وبلغتهم من الوحي مستكثرا ذلك عليهم . وقد يكون المعنى : لا تضعف ، من قولهم : حبل منين أي ضعيف ، ومنّه السير : أي أضعفه ، فالمراد لا تضعف أن تستكثر من الطاعات التي أمرت بها قبل هذه الآية . وقد يكون المراد كما قال ابن كيسان : لا تستكثر عملا فتراه من نفسك ، إنما عملك منّة من اللّه عليك ، إذ جعل لك سبيلا إلى عبادته .
( وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ )
على طاعته وعبادته ، وقال مقاتل ومجاهد : اصبر على الأذى والتكذيب . والخلاصة - لا تجزع من أذى من خالفك . ولما أتمّ إرشاد رسوله أردفه بوعيد الأشقياء فقال :
( فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ . فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ )
أي اصبر على أذاهم ؛ فإن بين أيديهم يوما عسيرا يذوقون فيه عاقبة كفرهم وأذاهم حين ينفخ في الصور ، ويومئذ تنال الجزاء الحسن والنعيم المقيم . ثم أكد هذا بقوله :
( عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ )
أي يومهم عسير لا يسر فيه ولا فيما بعده ، على خلاف ما جرت به العادة من أن كل عسر بعده يسر ، وعسره عليهم أنهم يناقشون