تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )
أي إن فعلتم ذلك فآمنتم باللّه وصدقتم رسوله ، وجاهدتم في سبيله - ستر لكم ذنوبكم ومحاها ، وأدخلكم فراديس جناته وأسكنكم مساكن تطيب لدى النفوس ، وتقرّ بها العيون في دار الخلد الأبدي ، وهذا منتهى ما تسمو إليه النفوس من الفوز الذي لا فوز بعده . ثم ذكر الفوز العاجل في الدنيا فقال :
( وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ )
أي ولكم على هذا فوز في الدنيا بنصركم على عدوكم ، وفتحكم للبلاد ، وتمكينكم منها حتى تدين لكم مشارق الأرض ومغاربها . وقد أنجز اللّه وعده ، فرفعت الراية الإسلامية على جميع المعمور من العالم في زمن وجيز لم يعهد التاريخ نظيره ، وامتلكوا بلاد القياصرة والأباطرة ، وساسوا العالم سياسة شهد لهم بفضلها العدو قبل الصديق . ثم أمرهم بأن يكونوا أنصار اللّه في كل حين ، فلا يتخاذلوا ولا يتواكلوا ، فيكتب لهم النصر على أعدائهم كما فعل حواريو عيسى فقال :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ ؟ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ )
أي يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار اللّه ، فارفعوا شأن دينه ، وأعلوا كلمته ، كما فعل الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم : من أنصارى إلى اللّه ؟ قالوا له : نحن أنصار اللّه وأنصار دينه . وقصارى ذلك - كونوا أنصار اللّه في جميع أعمالكم وأقوالكم ، وأنفسكم وأموالكم ، كما استجاب الحواريون لعيسى .
( فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ )
لما بلّغ عيسى عليه الصلاة والسلام رسالة ربه إلى قومه ، ووازره من الحواريين من وازره ، اهتدت طائفة من بني إسرائيل بما جاءهم به ، وضلت طائفة أخرى إما جحودا لرسالته ورميه هو وأمه بالعظائم كما فعل اليهود ، وإما بالغلو وإعطائه فوق ما أعطاه اللّه من مرتبة النبوة ؛