وقد تمّ ذلك بفتح مكة حين دخل المشركون في دين اللّه أفواجا ، وثم بينهم التصافي والتصاهر ، وكان بينهم أتم ما يكون من وثيق الصلات كما قال تعالى :
« وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها »
وقال :
« هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ، وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ »
.
ثم أباح لهم صلة الذين لم يقاتلوهم من الكفار فقال :
( لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )
أي لا ينهاكم اللّه عن الإحسان إلى الكفار الذين لم يقاتلوكم في الدين ، ولم يخرجوكم من دياركم ، ولم يعاونوا على إخراجكم ، وهم خزاعة وغيرهم ممن كانوا عاهدوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ترك القتال والإخراج من الديار ، فأمر اللّه رسوله بالبر والوفاء لهم إلى مدة أجلهم .
ثم زاد الأمر إيضاحا وبيانا فقال :
( إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ )
أي إنما ينهاكم عن موالاة الذين ناصبوكم العداوة فقاتلوكم وأخرجوكم أو عاونوا على إخراجكم كمشركي مكة ، فإن بعضهم سعوا في إخراج المؤمنين ، وبعضهم أعان المخرجين .
ثم أكد الوعيد على موالاتهم فقال :
( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )
لأنهم تولوا غير الذين يجوز لهم أن يتولوهم ، ووضعوا ولايتهم في غير موضعها ، وخالفوا أمر اللّه في ذلك .