والمنافقين قد ألقى الرعب في قلوبهم ، فلا يواجهونكم بقتال مجتمعين ، لأن الخوف والهلع بلغا منهم كل مبلغ ، بل يقاتلونكم في قرى محصنة بالدروب والخنادق ونحوها ، ومن وراء الجدر والحيطان وهم محاصرون .
ثم بين أن من أسباب هذا الجبن والخوف - التخاذل وعدم الاتحاد حين اشتداد الخطوب فقال :
( بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ )
أي بعضهم عدوّ لبعض ، فلا يمكن أن يقاتلوا عدوا لهم وهم في تخاذل وانحلال ، ومن ثم استكانوا وذلوا .
وفي هذا عبرة للمسلمين في كل زمان ومكان ، فإن الدول الإسلامية ما هدّ كيانها ، وأضعفها أمام أعدائها إلا تخاذلها أفرادا وجماعات ، وانفراط عقد وحدتها ، ومن ثم طمع الأعداء في بلادهم ودخلوها فاتحين وأذاقوا أهلها كئوس الذل والهوان وفرّقوهم شذر مذر ، وجعلوهم عبيدا أذلاء في بلادهم والتهموا ثرواتهم ، ولم يبقوا لهم إلا النّفاية وفتات الموائد . وللّه الأمر من قبل ومن بعد ، وعسى اللّه أن يأتي بالفتح أو نصر من عنده ، فيستيقظ المسلمون من سباتهم ، ويثوبوا إلى رشدهم ، فيستعيدوا سابق مجدهم ، وتدول الدولة لهم :
فيوما لنا ويوما علينا * ويوما نساء ويوما نسرّ
ثم زاد ما سلف توكيدا فقال :
( تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى )
أي إنك أيها الرسول إذا رأيتهم مجتمعين خلتهم متفقين وهم مختلفون غاية الاختلاف ، لما بينهم من إحن وعداوات ، فهم لا يتعاضدون ولا يتساندون ولا يرمون عن قوس واحدة .
وفي هذا تشجيع للمؤمنين على قتالهم ، وحثّ للعزائم الصادقة على حربهم ، فإن المقاتل متى عرف ضعف خصمه ازداد نشاطا وازدادت حميّته وكان ذلك من أسباب نصرته عليه .