عليهم ، ويزيلوا تحصنهم بها ، وليتسع مجال القتال ، ويكون في ذلك عظيم التنكيل والغيظ لهم .
ثم ذكر ما يجب أن يجعله العاقل نصب عينيه من عظة واعتبار فقال :
( فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ )
أي فاتعظوا يا ذوى البصائر السليمة ، والعقول الراجحة ، بما جرى لهؤلاء من أمور عظام ، وبلاء ما كان يخطر لهم ببال ، بأسباب تحار في فهمها العقول ، ولا يصل إلى كنه حقيقتها ذوو الآراء الحصيفة ، وابتعدوا عن الكفر والمعاصي التي أوقعتهم في هذه المهالك ، فالسعيد من وعظ بغيره ، وإياكم والغدر ، والاعتماد على غير اللّه ، فما اعتمد أحد على غيره إلا ذلّ .
ثم بين أن الجلاء الذي كتب عليهم كان أخف من القتل والأسر فقال :
( وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ
أي ولولا أن اللّه قدّر جلاءهم من المدينة ، وخروجهم من أوطانهم على هذا الوجه المهين ، لعذبهم في الدنيا بما هو أفظع منه من قتل وأسر كما فعل مع المشركين في وقعة بدر ، وكما فعل مع بني قريظة في سنة خمس للهجرة ، كفاء غدرهم وخيانتهم ، وتأليب المشركين على المؤمنين ، والسعي في إطفاء نور الإسلام حتى لا تقوم لهم قائمة - إلى ما أعد لهم من عذاب مقيم ، ونكال وجحيم ، حين تقوم الساعة ، وتجازى كل نفس بما كسبت .
ثم بين السبب فيما حل بهم وذكر علته فقال :
( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ )
أي إنه إنما فعل ذلك بهم ، وسلط عليهم رسوله وعباده المؤمنين ، لأنهم خالفوا اللّه ورسوله ، وكذبوا بما أنزله على رسله المتقدمين من البشارة بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، فهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم .
ثم ذكر مآل من يعادى اللّه ورسوله فقال :
( وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ )
أي ومن يعاد اللّه فإن اللّه يعاقبه أشد العقاب ، وينزل به الخزي والهوان في الدنيا ، والنكال السرمدي في الآخرة .