تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
( إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ )
أي إنا بعثنا إلى عاد إذ تمادوا في طغيانهم وكفرهم بربهم ريحا شديدة العصوف في برد ، لصوتها صرير ، في زمن شؤم ونحس عليهم ، إذ ما زالت مستمرة حتى أهلكتهم . ونحو الآية قوله :
« فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ »
وقوله :
« سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً »
أي متتابعة . وما روى من شؤم بعض الأيام فلا يصح شئ منه ، فالأيام كلها للّه ، لا ضرر فيها لذاتها ، ولا محذور منها ، ولا سعد فيها ولا نحس ، فما من يوم يمر إلا وهو سعد على قوم ونحس على آخرين ، باعتبار ما يحدثه اللّه فيه من الخير والشر لهم ، فكل منها يتصف بالأمرين :
ألا إنما الأيام أبناء واحد * وهذى الليالي كلها أخوات
وتخصيص كل يوم بعمل كما يزعم بعض الناس وينسبون في ذلك أبياتا إلى علي كرم اللّه وجهه ، لا يصح منه شئ ، وإنما هو نزغات شيعيّة لا تستند إلى ركن من الدين ركين .
( تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ )
أي تقتلعهم حتى يصيروا كأنهم أعجاز نخل قد انقلع من مغارسه في الأرض . وفي الآية إيماء إلى أن الريح كانت تقتلع رؤوسهم فتبقى الأجسام ولا رؤوس لها ، وإلى أنهم كانوا ذوى جثث عظام طوال كالنخل ، وإلى أنهم أعملوا أرجلهم في الأرض وقصدوا بذلك مقاومة الريح ، وإلى أن الريح جعلتهم كأنهم خشب يابسة لشدة بردها . ثم هوّل من أمر العذاب والإنذار بعد بيانهما فقال :
( فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ )
أي فانظروا كيف كان عذابي وإنذاري ، وقد كرره تعظيما لشأنه ، وهذه سنة في بليغ الكلام ، في باب النصح والإرشاد ، وباب