تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
وهذه قاعدة عامة تنضوى تحتها حركات الكواكب والأفلاك ونظم العمران وأعمال الأفراد والأمم . وقصارى ذلك - إن أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم سيصل إلى غاية يتبين عندها أنه الحق ، وأن ما سواه هو الباطل ، فقد جرت سنة اللّه بأن الحق يثبت ، والباطل يزهق بحسب ما وضعه في نظم الخليقة ( البقاء للأصلح ) . ثم ذكر أنهم في ضلال بعيد ، فإن ما جاء في القرآن من أخبار الماضين قد كان فيه مزدجر لهم لو كانوا يعقلون ، قال :
( وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ )
أي ولقد جاء هؤلاء المشركين الذين كذبوا بك واتبعوا أهواءهم - من الأخبار عن الماضين الذين كذبوا الرسل فأحل اللّه بهم من العقوبات ما قصه في كتابه - ما يردعهم ويزجرهم عما هم فيه من القبائح ، إذ أبادهم في الدنيا وسيعذبهم يوم الدين جزاء وفاقا لما دنسوا به أنفسهم من الشرك بربهم وعصيان رسله ، واجتراحهم للسيئات . ثم بين الذي جاءهم به فقال :
( حِكْمَةٌ بالِغَةٌ )
أي هذه الأنباء غاية الحكمة في الهداية والإرشاد إلى طريق الحق لمن اتبع عقله وعصى هواه .
( فَما تُغْنِ النُّذُرُ )
أي إن النذر لم يبعثوا ليلجئوا الناس إلى قبول الحق ، وإنما أرسلوا مبلغين فحسب ؛ فليس عليك ولا على الأنبياء قبلك الإغناء والإلجاء إلى اتباع سبيل الهدى ، فإذا بلّغت فقد أتيت بما عليك من الحكمة البالغة التي أمرت بها في نحو قوله
« ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ »
وتول عنهم بعدئذ . ونحو الآية قوله
« فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً »
. ثم أمر رسوله ألا يجادلهم ولا يناظرهم فإن ذلك لا يجدى نفعا فقال :
( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ )
أي فأعرض عن هؤلاء المشركين المكذبين ولا تحاجهم ،