المعنى الجملي
بعد أن ذكر سبحانه فيما سلف أنه جاءهم من الأخبار ما فيه زاجر لهم لو تذكروا لكن لم تغنهم تلك الزواجر شيئا - أردف هذا ذكر قصص من قبلهم من الأمم كقوم نوح وعاد وثمود ، ليبين لرسوله أنهم ليسوا ببدع في الأمم ، بل كثير منهم فعلوا فعلهم بل كانوا أشد منهم عتوا واستكبارا ، وأن الأنبياء قبله قد لاقوا منهم من البلاء ما لاقيت ، فلا تأس على ما فرط منهم ، ولا تبتئس بما كانوا يفعلون كما جاء في قوله سبحانه :
« فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً »
.
وفي هذا وعيد للمشركين من أهل مكة وغيرهم على تكذيبهم رسولهم ، وأنهم إن لم ينيبوا إلى ربهم فسيحل بهم من العذاب مثل ما حل بمن قبلهم ، وينجّى نبيه والمؤمنين كما نجّى من قبله من الرسل وأتباعهم من نقمه التي أحلها بأممهم .
الإيضاح
( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ )
أي كذب قبل قومك قوم نوح فكانوا أسوة لمن بعدهم من المكذبين للرسل .
ثم فصّل هذا التكذيب بقوله :
( فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ )
أي فكذبوا عبدنا نوحا ونسبوه إلى الجنون ، وزجروه وتوعدوه ، لئن لم ينته ليكونن من المرجومين .
وأضاف العبد إليه في قوله « عبدنا » للإشارة إلى أنه لم يعبد سواه ، فهو في جميع أفعاله للّه ؛ وإلى أنه صادق في دعواه النبوة ، فهو لا ينطق عن الهوى ، فتكذيبهم له قبيح غاية القبح ، بالغ نهاية العتوّ والإنكار .
ثم بين أنه عيل بهم صبرا ، وضاق بهم ذرعا فدعا عليهم فقال :
( فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ )
أي فدعا نوح ربه قائلا إن قومي قد غلبوني لتمردهم وعتوهم ، ولا طاقة لي بهم ، فانتصر منهم بعقاب من عندك على كفرهم بك .