وأشجع والدّيل وأسلم - تخلفوا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما استنفرهم عام الحديبية حين أراد السير إلى مكة معتمرا ، وساق معه الهدى ليعلم أنه لا يريد حربا ، واعتلوا بأن أموالهم وأهليهم قد شغلتهم ، لكنهم في حقيقة أمرهم كانوا ضعاف الإيمان خائفين من مقاتلة قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة لمكة وهم الأحابيش ، وقالوا : كيف نذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة وقتلوا أصحابه فنقاتلهم ؟ وقالوا : لن يرجع محمد ولا أصحابه من هذا السفر ، ففضحهم اللّه في هذه الآية وأخبر بأنه أعدّ لهؤلاء وأمثالهم نارا موقدة تطّلع على الأفئدة ، وأعدّ للمؤمنين جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ، وهو ذو مغفرة لمن أقلع من ذنبه ، وأناب إلى ربه .
الإيضاح
( سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا )
أي أيها الرسول سيقول لك الذين تخلفوا عن صحبتك والخروج معك في سفرك حين سرت إلى مكة معتمرا زائرا بيت اللّه الحرام وعاقبتهم على التخلف : شغلنا عن الخروج معك معالجة أموالنا وإصلاح معايشنا وأهلونا ، إذ لم يكن لنا من يقوم بتدبير شؤونهم وقضاء حاجهم ، فاطلب لنا المغفرة من ربك ، إذ لم يكن تخلفنا عن عصيان لك ، ولا مخالفة لأمرك .
فرد اللّه عليهم وكذبهم بقوله :
( يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ )
أي إنهم لم يكونوا صادقين في اعتذارهم بأن الامتناع كان لهذا السبب ، لأنهم إنما تخلفوا اعتقادا منهم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين يغلبون بدليل قوله بعد :
« بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً »
.