وهم على الباطل ؟ وكان للصديق من القدم الثابتة ورسوخ الإيمان ما دل على أنه لا يجارى ولا يبارى .
( وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )
فهو الذي يدبر أمر العالم ، ويسلط بعض جنده على بعض ، فيجعل جماعة يجاهدون لإعلاء كلمة الحق ، ويجعل آخرين يقاتلون في سبيل الشيطان ، ولو شاء لأرسل عليهم جندا من السماء فأباد خضراءهم ، لكنه سبحانه شرع الجهاد والقتال ، لما في ذلك من مصلحة هو عليم بها ، وحكمة قد تغيب عنا ، وهذا ما عناه بقوله :
( وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً )
فهو لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض .
( لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً )
أي وإنما دبر ذلك ليعرف المؤمنون نعمة اللّه ويشكروها فيدخلوا الجنة ماكثين فيها أبدا ، وليكفر عنهم سيئات أعمالهم بالحسنات التي يعملونها ، شكرا لربهم على ما أنعم به عليهم ، وكان ذلك ظفرا لهم بما كانوا يرجون ويسعون له ، ونجاة مما كانوا يحذرونه من العذاب الأليم ، وهذا منتهى ما يرون من منفعة مجلوبة ، ومضرة مدفوعة .
( وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ )
أي وليعذب هؤلاء في الدنيا بإيصال الهمّ والغمّ إليهم بسبب علو كلمة المسلمين ، وبما يشاهدونه من ظهور الإسلام وقهر المخالفين ، وبتسليط النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم قتلا وأسرا واسترقاقا ، وفي الآخرة بعذاب جهنم .
وهم قد كانوا يظنون أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سيغلب ، وأن كلمة الكفر ستعلو كلمة الإسلام ، ومما ظنوه ما حكاه اللّه بقوله :
« بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً »
.
وإنما قدم المنافقين على المشركين ، لأنهم كانوا أشد ضررا على المؤمنين من الكفار المجاهرين ، لأن المؤمن كان يتوقى المجاهر ، ويخالط المنافق لظنه إيمانه ،