قدرته ، استبانت لمن فكر وتدبر في هذا الكون وبديع صنعه ، مما يشاهد من صنوف النبات والحيوان ، والمهاد والجبال ، والقفار والبحار ؛ إلى نحو أولئك مما بهر المخلوقات كما قال :
« وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ »
.
فالموقنون كلما رأوا آية عرفوا وجه تأويلها فازدادوا إيقانا ، وخصهم بالذكر لأنهم هم الذين يعترفون بذلك ، ويتدبرونه فينتفعون به .
( وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ؟ )
أي أفلا تنظرون نظر من يعتبر في اختلاف الألسنة والألوان ، والتفاوت في العقول والأفهام ، واختلاف الأعضاء ، وتعدد وظائف كل منها على وجه يحار فيه اللّبّ ، ويدهش منه العقل ؟
وخلاصة ما سلف - إنّ اللّه تعالى وصف المتقين بأنهم مجدّون في العبادة البدنية وفي بذل المال للمستحقين من ذوى الحاجة والبائسين ، والإيمان باللّه والعلم بقدرته بالنظر في الآفاق والأنفس .
( وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ )
أي وفي السماء أسباب رزقكم من النيّرين ( الشمس والقمر ) والكواكب والمطالع والمغارب التي بها تختلف الفصول فتنبت الأرض أنواع النبات وتسقى بماء الأمطار التي تحملها السحب وتسوقها الرياح لأسباب فلكية وطبيعية أوضحها علماء الفلك وعلماء الطبيعة . وكذلك ما توعدون من خير وشر ، قاله مجاهد .
ثم أقسم ربنا بعزته وجلاله إن البعث لحق فقال :
( فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ )
أقسم ربنا جلت قدرته بجلاله وكبريائه : إن ما وعدكم به من أمر القيامة والبعث والجزاء حق لا مرية فيه ، فلا تشكّوا فيه كما لا تشكون في نطقكم حين تنطقون ، وهذا كما يقول الناس : إن هذا لحق كما أنك ترى وتسمع .