وأتى بالقصص بأسلوب الاستفهام تفخيما لشأن الحديث كما تقول لمخاطبك هل بلغك كذا وكذا ، وأنت تعلم أنه لم يبلغه ، توجيها لأنظاره حتى يصغى إليه ويهتم بأمره ، ولو جاء على صورة الخبر لم يكن له من الروعة والجلال مثل ما كان وهو بهذه الصورة ، وتنبيها إلى أن الرسول لم يعلم به إلا من طريق الوحي .
الإيضاح
( هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ . إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ ؟ )
أي هل عندك نبأ بما حدث بين إبراهيم وضيوفه من الملائكة الذين وفدوا عليه وهم ذاهبون في طريقهم إلى قوم لوط ، فسلموا عليه فرد عليهم التحية بأحسن منها .
ثم أراد أن يتعرف بهم فقال :
( قَوْمٌ مُنْكَرُونَ )
أي إنكم قوم لا عهد لنا بكم من قبل فعرفوني أنفسكم - من أنتم ؟
واستظهر بعض العلماء أن هذه مقالة أسرّها في نفسه أو لمن كان معه من أتباعه وجلسائه من غير أن يشعرهم بذلك ، لأن في خطاب الضيف بنحو ذلك إيحاشا له ، إلى أنه لو كان أراد ذلك لكشفوا له أحوالهم ، ولم يتصد لمقدمات الضيافة ، ثم ذكر أنه أسرع في قرى ضيوفه فقال :
( فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ . فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ )
أي فذهب خفية مسرعا وقدم لضيوفه عجلا سمينا أنضجه شيّا ، كما جاء في سورة هود
« فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ »
أي مشوى على الرضف .
( قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ ؟ )
أي قال مستحثا لهم على الأكل : ألا تأكلون ؟ وفي هذا تلطف منه في العبارة وعرض حسن ، وقد انتظم كلامه وعمله آداب الضيافة ، إذ جاء بطعام من حيث لا يشعرون ، وأتى بأفضل ماله ، وهو عجل فتىّ مشوى ، ووضعه بين أيديهم ، ولم يضعه بعيدا منهم حتى يذهبوا إليه ، وتلطف في العرض فقال : ألا تأكلون ؟