تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
أمر عجيب ، هلا أنزل إلينا ملكا فيكون لنا نذيرا ، كما حكى عنهم من قولهم :
« أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ »
وقوله حكاية عنهم
« قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا »
. وبعد أن أظهروا التعجب من رسالته أظهروا استبعاد ما جاء به فقالوا :
( أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ )
أي أحين نموت ونصير ترابا نرجع كما يقول النذير ؟ إن ذلك الرجوع بعد الموت لبعيد عن الأوهام ، لا يصدّقه العقل وتحيله العادة . ثم أشار إلى دليل جواز البعث وقدرته تعالى عليه فقال :
( قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ )
أي قد علمنا ما تأكل الأرض من لحوم موتاهم وعظامهم ، ولا يخفى علينا أين تفرقت الأبدان ، وأين ذهبت ، وإلى أين صارت ؟ فلا يصعب علينا البعث ولا يستبعد . ثم أكد علمه بجميع الأشياء فقال :
( وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ )
أي وعندنا كتاب حافظ لتفاصيل الأشياء كلها ، وهذا تمثيل لحال علمه تعالى للكائنات جميعا علما كاملا بعلم من عنده كتاب حفيظ يتلقى منه كل شئ ، فيضبط ما يعلم أتم الضبط ويحصيه أكمل الإحصاء . ثم حكى عنهم ما هو أفظع من تعجبهم وهو تكذيبهم بالنبوة الثابتة بالمعجزات من أول وهلة بلا تدبر ولا تفكر فقال :
( بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ )
أي بل كذبوا ، بالنبوة التي قامت الأدلة على صدقها وأيدتها المعجزات الباهرة ، وهم إذا كذبوا بها فقد كذبوا بما أنبأ به الرسول من البعث وغيره ، ولا شك أن هذا الإنكار أعظم جرما وأشد بلية من الإنكار بما جاء به الرسول ، إذ به أنكروا الصلة الروحية بين اللّه ومن يصطفيه من خلقه من ذوى النفوس الصافية ، وأرباب الأرواح العالية .
( فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ )
أي فهم في قلق واضطراب ، فتارة ينفون الرسالة عن البشر ،