تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
وقد يكون المعنى - ولن ينفعكم ذلك من حيث التأسي ، فإن المكروب في الدنيا يتأسى ويستروح بوجدان المشارك في البلوى ، فيقول أحدهم لي في البلاء والمصيبة أسوة ، فيسكّن ذلك من حزنه كما قالت الخنساء ترثى أخاها صخرا :
يذكّرنى طلوع الشمس صخرا * وأذكره بكل مغيب شمس
فلو لا كثرة الباكين حولى * على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يكون مثل أخي ولكن * أعزّى النفس عنه بالتأسي
وقصارى ذلك - إنه لا يخفف عنهم بسبب الاشتراك شئ من العذاب ، إذ لكل منهم الحظ الأوفر منه . وقد يكون المعنى - ولن ينفعكم اليوم الاعتذار والندم ، فأنتم وقرناؤكم مشتركون في العذاب ، كما كنتم مشتركين في سببه في الدنيا . وقد وصفهم فيما سلف بالعشي ووصفهم بالعمى والصمم ، من قبل أن الإنسان لاشتغاله بالدنيا يكون كمن حصل بعينيه ضعف في البصر ، وكلما زاد انهماكه بها كان ميله إلى الجسمانيات أشد وإعراضه عن الروحانيات أكمل فقال :
( أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ؟ )
أي أفأنت تسمع من قد سلبهم اللّه استماع حججه التي ذكرها في كتابه ، أو تهدى إلى طريق الحق من أعمى قلوبهم عن إبصارها ، واستحوذ عليهم الشيطان فزين لهم طريق الردى . والخلاصة - إن ذلك ليس إليك ، إنما ذلك إلى من بيده تصريف القلوب وتوجيهها أنّى شاء ، فعليك البلاغ وعلينا الحساب . وقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم يبالغ في دعاء قومه إلى الإيمان وهم لا يزيدون إلا غيّا وتعاميا عما يشاهدون من دلائل النبوة وتصامّا عما يسمعون من بينات القرآن .
تفسير المراغي — صفحة 91 | أحمد مصطفى المراغي