تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
وقصارى ذلك - إن كل جناية على النفس أو المال تقابل بمثلها قصاصا ، لأن إهدارها يوجب فتح باب الشرور والمفاسد ، إذ في طبع الإنسان الظلم والبغي والعدوان ، فإذا لم يزدجر عنه تمادى فيه ولم يتركه ، والزيادة على قدر الذنب ظلم ، والشرائع تتنزه عن ذلك ، ومن ثم شرع اللّه القصاص ، وندب إلى الفضل وهو العفو فقال :
« وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ »
وجاء تتمة لهذه الآية .
( فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ )
أي فمن عفا عن المسئ وأصلح ما بينه وبين من يعاديه بالعفو والإغضاء عما صدر منه ، فأجره على اللّه ، فيجزيه أعظم الجزاء . وفي إبهام الأجر وجعله حقا على العظيم الكريم جل شأنه زيادة في الترغيب في العفو والحثّ عليه . أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا كان يوم القيامة أمر اللّه مناديا ينادى : ألا ليقم من كان له على اللّه أجر فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا وذلك قوله :
( فَمَنْ عَفا )
الآية » . ثم ذكر سبحانه خروج الظلمة عن محبته التي هي سبب الفوز والنجاة فقال :
( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ )
أي إنه تعالى لا يحب المتجاوزين الحد في الانتقام ، وفي هذا تصريح بما تضمنه سالف الكلام من حسن رعاية طريق المماثلة وأنها قلّما تخلو من الاعتداء والتجاوز عن الواجب ، ولا سيما حال الحرد والتهاب الحميّة ، وحينئذ يدخل المنتقمون في زمرة من لا يحبهم اللّه .
( وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ )
أي واللّه لمن انتصر ممن ظلمه بعد ظلمه إياه ، فأولئك المنتصرون لا سبيل للمنتصر منهم أن يوجهوا إليهم عقوبة ولا أذى لأنهم انتصروا منهم بحق ، ومن أخذ حقه ممن وجب له عليه ولم يتعدّ - لم يظلم فلا سبيل لأحد عليه .
تفسير المراغي — صفحة 56 | أحمد مصطفى المراغي