تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
( مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ )
أي ومن كان سعيه موجها إلى شؤون الدنيا ، وطلب طيباتها واكتساب لذاتها ، وليس له همّ في أعمال الآخرة - نؤته منها ما قسمناه له ، وليس له في ثواب الآخرة حظ ، فالأعمال بالنيات ، ولكل امرئ ما نوى ، قال قتادة : إن اللّه يعطى على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا ، ولا يعطى على نية الدنيا إلا الدنيا . ونحو الآية قوله :
« مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً . وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً »
. وقال ابن عباس : من يؤثر دنياه على آخرته لم يجعل اللّه له نصيبا في الآخرة إلا النار ، ولم يزد بذلك من الدنيا شيئا إلا رزقا فرغ منه وقسم له . و أخرج أحمد والحاكم وصححه وابن مردويه وابن حبان عن أبىّ بن كعب أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « بشّر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر والتمكين في الأرض ما لم يطلبوا الدنيا بعمل الآخرة ، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب » . و أخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة قال : « تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم
( مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ )
لآية ثم قال يقول اللّه : ابن آدم تفرّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسدّ فقرك ، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسدّ فقرك » . و عن علىّ كرم اللّه وجهه قال : الحرث حرثان : فحرث الدنيا المال والبنون ، وحرث الآخرة الباقيات الصالحات . ولما بين القسطاس الأقوم في أعمال الآخرة وأعمال الدنيا أردفه التنبيه إلى ما هو الأصل في باب الضلالة والشقاوة فقال :
( أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ )
أي هم ما اتبعوا ما شرع اللّه
تفسير المراغي — صفحة 35 | أحمد مصطفى المراغي