تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
( وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ )
أي وما يفنينا إلا مرّ الليالي والأيام ، فمرورها هو المؤثر في هلاك الأنفس ، ويضيفون كل حادث إلى الدهر وأشعارهم ناطقة بذلك قال : أشاب الصغير وأفنى الكبير كرّ الغداة ومرّ العشى وقد كان العرب في جاهليتهم إذا أصابتهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا يا خيبة الدهر ، وقد جاء النهى عن سبّ الدهر ، فجاء في الحديث القدسي « يقول اللّه عزّ وجل : يؤذيني ابن آدم ، يسبّ الدهر وأنا الدهر ، بيدي الأمر ، أقلّب الليل والنهار » . و عن أبي هريرة رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « يقول اللّه تعالى : استقرضت عبدي فلم يعطني ، وسبّنى عبدي يقول وا دهراه وأنا الدهر » . قال الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله صلّى اللّه عليه وسلم « لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر » كان العرب في الجاهلية إذا أصيبوا بشدة أو بلاء قالوا يا خيبة الدهر ، فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه ، وإنما فاعلها هو اللّه ، فكأنهم إنما سبوا اللّه عزّ وجل ، لأنه فاعل ذلك في الحقيقة ، فلذا نهى عن سب الدهر بهذا الاعتبار ، لأن اللّه تعالى هو الدهر الذي يعنونه ، ويسندون إليه تلك الأفعال . ثم نعي عليهم مقالهم هذا الذي لا دليل عليه فقال :
( وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ )
أي وما لهم بقصر الحياة على حياة الدنيا ونسبة الإهلاك إلى الدهر - علم يستند إلى عقل أو نقل ، وقصارى أمرهم الظن والتخمين من غير أن يكون لهم ما يتمسكون به من حجة نافذة . وفي الآية إشارة إلى أن القول بغير بينة ولا حجة - لا ينبغي أن يعوّل عليه ، وأن اتباع الظن منكر عند اللّه . ثم ذكر شبهتهم على إنكار البعث فقال :
( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ