تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
إلا عبد أنعمنا عليه بالنبوة وروادفها ، فهو رفيع المنزلة علىّ القدر ، وقد جعلناه آية ، بأن خلقناه من غير أب ، وشرفناه بالنبوة ، وصيرناه عبرة سائرة ، تفتح للناس باب التذكر والفهم ، وليست مخالفة العادة بموجبة لعبادته كما يزعم النصارى ، بل مذكرة بعبادة الخالق الحكيم .
( وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ )
أي ولو نشاء لجعلنا ذريتكم ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم ، كما خلقنا عيسى من أنثى بلا ذكر وجعلناه رجلا . وقد يكون المعنى على التهديد والتخويف لقريش ويكون المراد - لو نشاء لأهلكناكم وجعلنا بدلكم في الأرض ملائكة يعمرونها ويعبدوننا . والخلاصة - إننا لو نشاء لجعلنا في الأرض عجائب كأمر عيسى بحيث يلد الرجل ملكا فيخلفه ، فباب العجائب وتغير السنن لا حد له عندنا ، فكم من نواميس خافية عليكم بيدنا تصريفها .
( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ )
أي وإن القرآن ليعلمكم بقيام الساعة ، ويخبركم عنها وعن أهوالها ، فلا تشكّنّ فيها واتبعوا هداي ، فهذا الذي أدعوكم إليه هو الصراط المستقيم الذي لا عوج فيه وهو الموصل إلى الحق .
( وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ )
أي ولا تغتروا بوساوس الشيطان وشبهه التي يوقعها في قلوبكم ، فيمنعكم ذلك عن اتباعى ، فإن الذي دعوتكم إليه هو دين اللّه الذي اتفق عليه رسله وكتبه . ثم علل نهيهم عن اتباعه بعداوته لهم فقال :
( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ )
أي إنه مظهر لعداوته لكم ، غير متحاش ولا متكتم لها كما يدل على ذلك ما وقع بينه وبين أبيكم آدم من امتناعه عن السجود له ، وما ألزم به نفسه من إغواء جميع بني آدم إلا عباد اللّه المخلصين .