تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
قومك من هذا المثل يرتفع لهم ضجيج وجلبة فرحا وسرورا كما يرتفع لغط القوم ولجبهم إذا أعيوا في حجة ثم فتحت عليهم . و قد روى أن عبد اللّه بن الزبعرى قبل إسلامه قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقد سمعه يقول :
« إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ »
أليس النصارى يعبدون المسيح وأنت تقول كان نبيا وعبدا صالحا ، فإن كان في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه ، ففرح قريش وضحكوا وارتفعت أصواتهم .
( وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ؟ )
أي إن آلهتنا ليست خيرا من عيسى ، فإذا كان عيسى من حصب جهنم كان أمر آلهتنا أهون .
( ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ )
أي ما ضربوا لك المثل إلا لأجل الجدل والغلبة في القول لا لإظهار الحق ، فإن قوله :
« إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ »
إنما ينطلق على الأصنام والأوثان ولا يتناول عيسى والملائكة ، ولكنهم قوم ذوو لدد في الخصومة ، مجبولون على سوء الخلق واللجاج . قال صاحب الكشاف : إن ابن الزبعرى بخبّه وخداعه وخبث دخلته لما رأى كلام اللّه ورسوله محتملا لفظه وجه العموم مع علمه بأن المراد به أصنامهم لا غير - وجد للحيلة مساغا فصرف معناه إلى الشمول والإحاطة بكل معبود غير اللّه ، على طريقة المحك والجدال وحب المغالبة والمكابرة وتوقّح في ذلك ، فتوفّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى أجاب عنه ربه بقوله :
« إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ »
فدل به على أن الآية خاصة في الأصنام اه . أخرج سعيد بن منصور وأحمد في جماعة عن أبي أمامة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ، ثم تلا هذه الآية » ثم بين أن عيسى عبد من عبيده الذين أنعم عليهم بقوله :
( إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ )
أي ما عيسى بن مريم