تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
ثم بين أن مقتضى عدله وحكمته ألا يساوى بين الذين أحسنوا بالحسنى ، والذين اجترحوا السيئات ، ودسّوا أنفسهم بكبير الآثام والذنوب فقال :
( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ )
أي بل أنجعل من آمنوا بربهم واعتقدوا أنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا شريك له في ملكه ، وأصلحوا أعمالهم فأدّوا ما يجب للخلق والخالق وائتمروا بما أمر به ربهم على لسان أنبيائه وانتهوا عما نهوا عنه ، فلم يدسّوا أنفسهم بفعل شئ من كبائر الآثام خوفا من يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت ، ولا تقبل الشفاعة ولا الفداء من أحد
« وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً . اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً »
.
« يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ »
كمن كفروا به وعاثوا في الأرض فسادا ، وهاموا فيها على وجوههم ، لا دين يمنعهم ، ولا زاجر يردعهم ، إذ هم ينكرون الجزاء والحساب والإعادة بعد الموتة الأولى ويقولون : ما هي إلا أرحام تدفع ، وأرض تبلع ، وما يهلكنا إلا الدهر ، فأنى لمثل هؤلاء أن يرعووا عن غىّ ، أو يكفّوا عن معصية ؟ بل هم جهد استطاعتهم يحصلون على اللذات ، ويجترحون السيئات ، بما وسوس إليهم به الشيطان ، أن لا حلال ولا حرام ، ولا جنة ولا نار ، فما هذه إلا أساطير الأولين ، وخزعبلات الموسوسين المتزمّتين . وإذا كان هذا حقا واقتضته الحكمة وأوجبته العدالة ، فلا بد من دار أخرى يجازى فيها المطيع ، ويثاب على ما عمل ، ويعاقب فيها العاصي على ما دنّس به نفسه من شرك بربه ، واجتراح للإثم والعصيان ومخالفة أمر الواحد الديان . والعقول السليمة ، والفطر الصحيحة ترشد إلى هذا وتؤيده ، وتدل عليه وتثبته ، فإنا نرى الظالم الباغي قد يزداد في دنياه مالا وولدا ، ويتمتع بصنوف اللذات ، من الدور