تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨

الإيضاح

( وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ )
أي وآتينا داود ابنا يسمى سليمان . ونحو الآية قوله :
« وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ »
. ثم مدحه سبحانه وأثنى عليه فقال :
( نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ )
أي ما أحقه بالمدح والثناء ! لأنه كان كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى ربه في أكثر الأوقات ، وفي كثير من المهمات ، اعتقادا منه بأن كل شئ من الخير لا يتم إلا بإعانته وتوفيقه . ثم ذكر حالا من أحواله التي تستحق الإطراء والثناء فقال :
( إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ )
أي امدحه حين عرضت عليه الجياد الصافنات من العصر حتى آخر النهار ، لينظر إليها ويتعرف أحوالها ، ومقدار صلاحيتها للقيام بالمهامّ التي توكل إليها حين الغزو وغيره . وقد وصفها بالصفون والجودة ليجمع لها بين وصفين ممدوحين واقفة وجارية ، فإذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها ، وإذا جرت كانت سراعا خفافا في جريها ، وقيل وصفها بالصفون لأنه لا يكون في الهجن ، بل يكون في العراب الخلّص .
( فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي )
قد يحب الإنسان شيئا وهو يتمنى ألا يحبه ، كالمريض الذي يشتهى ما يزيد مرضه ، والوالد الذي يحب ولده السيّئ السيرة والخلق ، وقد يحب شيئا وهو يرى أن من المصلحة أن يحبه ، ومن الخير أن يزداد شغفه به ، وتلك هي غاية المحبة ، فسليمان عليه السلام يقول : إني أحب حبى لهذه الخيل ، وتلك المحبة إنما حصلت عن ذكر ربى وأمره لا عن الشهوة والهوى .
( حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ )
أي حتى غابت عنى بسبب العثير المتطاير من سنابكها كما قال المتنبي :
أثارت سنابكها عليها عثيرا * لو تبتغى عنقا عليه لأمكنا