تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
ثم أكد قوله
« لِلَّهِ الْأَمْرُ »
بقوله :
( يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ )
أي ينصر من يشاء أن ينصره على عدوه ويغلّبه عليه على مقتضى السنن التي وضعها في الخليقة ، وهو المنتقم ممن يستحقون الانتقام بالنصر عليهم ، الرحيم بعباده ، فلا يعاجلهم بالانتقام على ذنوبهم كما قال :
« وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى »
.
( وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ )
أي وعد اللّه وعدا بظهور الروم على فارس ، واللّه لا يخلف ما وعد ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك لجهلهم بشئونه تعالى وعدم تفكرهم في النواميس والسنن التي وضعها في الكون ، فإنه قد جعل من تلك السنن أن وعده لا يخلف إذ هو مبنى على مقدمات ووسائل هو يعلمها ، وقد رتب عليها تلك العدة التي وعدها ، وجعل قانون الغلب في الأمم والأفراد مبنيا على الاستعداد النفسي والاستعداد الحربي ، فلا تغلب أمة أخرى إلا بما أعدت لها من وسائل الظفر بها ، وما كان لها من صفات تكفل لها هذا الظفر من أناة وصبر وتضحية بما تملك من عزيز لديها من مال ونفس . وهكذا حكم الفرد فهو لا ينجح في الحياة إلا إذا كان معه أسلحة يغالب بها عوامل الأيام حتى يغلبها بجدّه وكدّه ، فهذه الأمور وأمثالها تحتاج إلى دقة نظر لا يدركها إلا ذوو البصائر .
( يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا )
كتدبير معايشهم ، وإحسان مساكنهم ، وتنمية متاجرهم ، وتصرفهم في مزارعهم ، على النحو الذي يجعلها تزدهر وتفي بحاجة المجتمع
( وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ )
أي وهم غافلون عن أن النفوس لها بقاء بعد الموت وأنها ستلبس ثوبا آخر في حياة أخرى ، وستنال إذ ذاك جزاء ما قدمت من خير أو شر ، ولو لم تكن النفوس تتوقع هذه الحياة لكانت آلام الدنيا ومتاعبها لا تطاق ولا تجد النفوس