تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
ولما اتضح لهم وجه الحق وانقطعت حجتهم لجئوا إلى التهديد واستعمال القوة :
( قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ )
أي لئن لم تنته عما أنت فيه من إنكارك ما تنكره من أمرنا لننفينّك من قريتنا ، وليكونن شأننا معك شأن من أخرجناهم من قبلك بالعنف والعسف واحتباس الأموال : ( كما هو شأن الظلمة إذا أجلوا بعض من يبغضونهم صادروا أملاكهم ) . حينئذ أجابهم بأن إبعاده لا يقف به عن الإنكار عليهم .
( قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ )
أي إني برئ مما تعملون ، مبغض له ، لا أحبه ولا أرضاه ، ولا يضيرنى تهديدكم ولا وعيدكم ، وإني لراغب في الخلاص من سوء حواركم . وقال
( مِنَ الْقالِينَ )
دون
( قالَ )
إيماء إلى أنه من القوم الذين لو سمعوا بما تفعلون لأبغضوه ، كما يقال فلان من العلماء فإنه أشد مدحا من قولك فلان عالم ، إذ الأولى تدل على أنه في عداد زمرة العلماء المعروفين بمساهمته لهم في العلم . ثم أعرض عنهم وتوجه إلى اللّه أن ينجيه من أعمال السوء هو وأهله قال :
( رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ )
أي رب نجّنى من شؤم أعمالهم وأبعدنى من عذابك الدنيوي والأخروى . فأجاب اللّه دعاءه وأغاثه بعد أن استغاثه قال :
( فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ . إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ )
أي فنجيناه وأهله جميعا مما حل بأهل القرية من العذاب ، فأمرناه بالخروج منها قبل أن ينزل بهم ما نزل ، إلا عجوزا قد بقيت ولم تخرج معه وهي امرأته كما جاء في سورة هود :
« إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ »
وكانت عجوز سوء لم نتبع لوطا في الدين ولم تخرج معه . والخلاصة - فنجيناه وأهله من العذاب بإخراجهم من بينهم ليلا عند حلول العذاب بهم إلا عجوزا قدر اللّه بقاءها لسوء أفعالها وقبح طويّتها ، ولما لها من ضلع في استحسان أفعالهم .