أي تنوع أصواتها لأداء أغراضها المختلفة من حزن وفرح وحاجة إلى طعام وشراب واستغاثة من عدوّ ، إلى نحو ذلك من الأغراض القليلة التي جعلها اللّه للطير .
وفي هذا معجزة لكتابه الكريم لقوله في آخر السورة :
« وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها »
.
وإنك لتعجب إذ ترى اليوم أن كثيرا من الأمم تبحث في لغات الطيور والحيوان والحشرات كالنمل والنحل ، وتبحث في تنوع أصواتها لتنوع أغراضها ، فكأنه تعالى يقول : إنكم لا تعرفون لغات الطيور الآن وعلّمتها سليمان ، وسيأتي يوم ينتشر فيه علم أحوال مخلوقاتى ، ويطلع الناس على عجائب صنعي فيها .
( وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ )
مما نحتاج إليه في تدبير الملك ، ويعيننا في ديننا ودنيانا .
وهذا أسلوب يراد به الكثرة من أي شئ ، كما يقال فلان يقصده كل أحد ، ويعلم كل شئ ، وسيأتي في مقال الهدهد عن بلقيس .
« وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ »
.
( إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ )
أي إن هذا الذي أوتيناه من الخيرات لهو الفضل المبين الذي لا يخفى على أحد .
ثم ذكر بعض ما أوتيه سليمان بقوله :
( وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ )
أي وجمع له عساكره من مختلف النواحي ليحارب بهم من لم يدخل في طاعته فهو يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا ، وقال ابن عباس لكل صنف وزعة ترد أولاها على أخراها ، لئلا تتقدمها في السير كما يصنع الملوك . وقال الحسن : لا بد للناس من وازع : أي سلطان يكفلهم . وقال عثمان بن عفان : ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن .
( حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ : يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ )
أي حتى إذا أشرفوا على وادي النمل صاحت نملة بما فهم منه سليمان أنها تأمرهم بأن يدخلوا مساكنهم خوفا من تحطيم سليمان وجنوده لهم وهم لا يشعرون بذلك .