تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
( فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ )
أي فضحك متعجبا من حذرها وتحذيرها والهداية التي غرسها اللّه فيها ، مسرورا بما خصه اللّه من فهم مقاصدها ، وقال رب ألهمني أن أشكر نعمتك التي أنعمت بها علىّ وعلى والدىّ ، وأن أعمل عملا تحبه وترضاه ، وتوفني مسلما وألحقني بالصالحين من عبادك . وخلاصة ذلك - كأنه قال : العلم غاية مطلبي وقد حصلت عليه ، ولم يبق بعد ذلك إلا أن أطلب التوفيق للشكر عليه بالعمل الصالح الذي ترضاه ، وأن أدخل في عداد الصالحين من آبائي الأنبياء وغيرهم .

تذكرة وعبرة بالآية

قد دلّ بحث الباحثين في معيشة النمل على ما لها من عجائب في معيشتها وتدبير شؤونها ، فإنها لتتخذ القرى في باطن الأرض ، وتبنى بيوتها أروقة ودهاليز وغرفات ذوات طبقات ، وتملؤها حبوبا وقوتا للشتاء ، وتخفى ذلك في بيوت من مساكنها منعطفات إلى فوق ، حذرا من ماء المطر . وفي هذه الآية تنبيه إلى هذا لإيقاظ العقول إلى ما أعطيته من الدقة وحسن النظم والسياسة ، فإن نداءها لمن تحت أمرها وجمعها لهم ليشير إلى كيفية سياستها ، وحكمتها وتدبيرها لأمورها ، وأنها تفعل ما يفعل الملوك ، وتدبّر وتسوس كما يسوس الحكام . ولم يذكره الكتاب الكريم إلا ليكون أمثالا تضرب للعقلاء ، فيفهموا حال هذه الكائنات ، وكيف أن النمل أجمعت أمرها على الفرار خوفا من الهلاك كما تجتمع على طلب المنافع ، وإن أمة لا تصل في تدبيرها إلى مثل ما يفعل هذا الحيوان الأعجم تكون أمة حمقاء تائهة في أودية الضلال ، وهي أدنى حالا من الحشرات والديدان :
« وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ »
.