تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
ولا يأتون إلا الفواحش ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلم على خلاف ذلك . فقد بدأ بنفسه إذ قال له ربه :
( فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ )
ثم بالأقرب فالأقرب فقال :
( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ )
فليست حاله حال الشعراء . ولما وصف الشعراء بهذه الأوصاف الذميمة استثنى منهم من اتصف بأمور أربعة ( 1 ) : الإيمان ( 2 ) والعمل الصالح ( 3 ) وكثرة قول الشعر في توحيد اللّه والنبوة ودعوة الخلق إلى الحق ( 4 ) وألا يهجو أحدا إلا انتصارا ممن يهجوه اتباعا لقوله :
« لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ »
كما كان يفعل عبد اللّه بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير حين كانوا يهجون المشركين منافحة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . و قد روى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لكعب بن مالك : « اهجهم ، فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من رشق النّبل » و كان يقول لحسان بن ثابت : « قل وروح القدس معك » ، و في رواية « اهجهم وجبريل معك » . وإلى هذا أشار بقوله :
( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا )
. و روى ابن جرير عن محمد بن إسحاق « أنه لما نزلت هذه الآية جاء حسان بن ثابت وعبد اللّه بن رواحة وكعب بن مالك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهم يبكون ، قالوا قد علم اللّه حين أنزل هذه الآية أنّا شعراء فتلا النبي صلى اللّه عليه وسلم :
( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ )
قال أنتم
( وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً )
قال : أنتم
( وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا )
قال : أنتم ( أي بالرد على المشركين ) ثم قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : انتصروا ولا تقولوا إلا حقا ، ولا تذكروا الآباء والأمهات » ، فقال حسان لأبى سفيان : هجوت محمدا فأجبت عنه * وعند اللّه في ذاك الجزاء وإن أبى ووالده وعرضى * لعرض محمد منكم وقاء