تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
الكريم الجواد الذي يرحم ، فأفض علىّ من جودك ورحمتك ما يسعفني ويدفع الضر عنى فأنت أرحم الراحمين . وهذا أسلوب من الطلب دقيق المسلك حكيم المنحى . روى أن امرأته قالت له يوما لو دعوت اللّه ، فقال : كم كانت مدة الرخاء ؟ فقالت ثمانين سنة ، فقال أستحيى من اللّه أن أدعوه ، ما بلغت مدة بلائي مدة رخائى .
( فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ )
أي فاستجبنا له دعاءه فكشفنا ضره ، وقد كان الذي نزل به امتحانا من اللّه واختبارا له .
( وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ )
أي وأعطيناه في الدنيا مثل أهله عددا مع زيادة مثل آخر ، فولد له من الأولاد ضعف ما كان .
( رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ )
أي آتيناه ما ذكر رحمة منا لأيوب ، وتذكرة للعابدين ليصبروا كما صبر فيثابوا كما أثيب في الدنيا والآخرة . وخلاصة ما سلف - إن أيوب ابتلى في نفسه وولده وماله ، فابتلى بالمرض وهلاك الأولاد وضياع الأموال امتحانا منه تعالى واختبارا له ، ثم كشف عنه ما به من ضر فشفى من أمراضه التي أصيب بها ، وأنجب من الأولاد ضعف ما كان ، وحسن حاله في ماله فزال ما به من عدم وإقتار . ولم يصرح القرآن الكريم بما صار إليه من سعة في المال كما صرح بما صار إليه أمره من كثرة الولد . وما روى من مقدار ما لحقه من الضر في نفسه حتى وصل إلى حد النفرة منه ، وأن الناس جميعا تحاموه وطردوه من مقامه إلى ظاهر المدينة في موضع الكناسة ولم يكن يتصل به إلا امرأته التي تذهب إليه بالزاد والقوت - فكل ذلك من الإسرائيليات التي يجب الاعتقاد بكذبها ، لأنه ليس لها من سند صحيح يؤيدها ، ولأن من شروط النبوة ألا يكون في النبي من الأمراض والأسقام ما ينفر الناس منه ، ولأنه متى كان كذلك لا يستطيع الاتصال بهم وتبليغ الشرائع والأحكام إليهم ، وسيأتي لهذا مزيد إيضاح في سورة ص .
تفسير المراغي — صفحة 61 | أحمد مصطفى المراغي