تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩

المعنى الجملي

بعد أن قدّم عز اسمه ذكر نعمه وأنه رؤوف بعباده رحيم بهم ، وأن الإنسان كفور بطبعه ، ومن ثم جحد الخالق لهذه النعم - أتبعه بزجر معاصريه عليه السلام من أهل الأديان السماوية عن منازعته ، بذكر خطئهم فيما تمسكوا به من الشرائع ، وبيان أن لكل أمة شريعة خاصة ، ثم أمره بالثبات على ما هو عليه من الحق ، وأنه لا يضره عناد الجاحدين ، فاللّه هو الحكم بينهم وبينه يوم القيامة .

الإيضاح

( لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ )
أي إنا أنزلنا لأهل كل دين من الأديان السماوية شريعة خاصة يعملون بها ، ويسيرون على نهجها ، لا يتخطونها إلى غيرها ، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى منسكها ما في التوراة ، والأمة التي من مبعث عيسى إلى مبعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم منسكها ما في الإنجيل ، وأمة محمد صلى اللّه عليه وسلّم وهم من وجد حين مبعثه إلى يوم القيامة منسكهم ما في القرآن ، لأن لكل زمان ما يليق به من الشرائع التي تناسب من فيه في تلك الحقبة .
( فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ )
أي فلا ينبغي لهم أن ينازعوك في أمر هذا الدين ، فإن تعيينه تعالى لكل أمة شريعة خاصة موجب لطاعة هؤلاء لك وعدم منازعتهم إياك في أمر هذه الشريعة زعما منهم أن شريعتهم هي ما عيّن لآبائهم من التوراة والإنجيل ، فذلك خطأ منهم ، فإن ذلك إنما كان شريعة لمن مضى قبل نسخه بالقرآن . والخلاصة - أثبت أيها الرسول على دينك ثباتا لا يطمعون أن يجذبوك منه ليزيلوك عنه ، والمراد بذلك تهييج حميّته عليه السلام ، وإلهاب غضبه للّه ولدينه ، ومثل هذا كثير في كتاب اللّه ، وكأنه قد قيل له : تأسّ بالأنبياء قبلك في متاركة القوم الظالمين ، والإمساك عن مجادلتهم بعد اليأس من إيمانهم .
تفسير المراغي — صفحة 139 | أحمد مصطفى المراغي