تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
وفي هذا الأسلوب مبالغة عظيمة زيادة في توطين عزائم المؤمنين وتثبيتهم على الجهاد في سبيله . وبمعنى الآية قوله :
« فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها »
وقوله :
« قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ »
وقوله :
« أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ »
. وإنما شرع الجهاد بعد الهجرة إلى المدينة ، لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر من المؤمنين عددا ، حتى أخرجوا النبي صلى اللّه عليه وسلم من بين أظهرهم وهمّوا بقتله وشرّدوا أصحابه ، فذهبت طائفة منهم إلى الحبشة وذهب آخرون إلى المدينة ، فلما استقروا بالمدينة وأتاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واجتمعوا إليه وقاموا بنصره وصارت المدينة لهم دار إسلام ومعقلا يلجئون إليه - شرع الجهاد ونزلت الآية مرخّصة فيه . روى أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن ابن عباس أنه قال : لما أخرج النبي صلى اللّه عليه وسلم من مكة قال أبو بكر : أخرجوا نبيهم ، إنا للّه وإنا إليه راجعون . ليهلكنّ القوم . فأنزل اللّه :
( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ )
قال أبو بكر : فعرفت أنه سيكون قتال . ثم وصف سبحانه هؤلاء المؤمنين بقوله :
( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ )
أي أولئك المظلومون هم الذين أخرجهم المشركون من مكة إلى المدينة وعذبوا بعضهم وسبوا بعضا آخر ، وما كان لهم من إساءة إليهم ولا ذنب جنوه إلا أنهم عبدوا اللّه وحده لا شريك له .