تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
في علم الكيمياء أن وزن الذرات التي تدخل في كل جسم بنسب معينة ، فلو أن ذرة واحدة في عنصر من العناصر الداخلة في تركيب أي جسم من النبات أو الحيوان أو الجماد نقصت عن النسبة المقدرة لتكوينه لم يتكون ذلك المخلوق . وخالق الدنيا هو خالق الآخرة ، فالظلم مستحيل هناك كما استحال هنا في نظم الطبيعة ، فما أجلّ قدرة اللّه وما أعظم حكمته في خلقه ! .
( وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا )
أي ومن كان في دار الدنيا أعمى القلب لا يبصر سبل الرشد ، ولا يتأمل حجج اللّه وبيناته التي وضعها في صحيفة الكون وأمر بالتأمل فيها - فهو في الآخرة أعمى لا يرى طريق النجاة ، وأضل سبيلا منه في الدنيا ، لأن الروح الباقي بعد الموت هو الروح الذي كان في هذه الحياة الدنيا ، وقد خرج من الجسم وكأنه ولد منه كما تلد المرأة الصبى ، وكما يثمر النخل الثمر ، والأشجار الفواكه ، وما الثمر والفواكه إلا ما كان من طباع الشجرة ، فهكذا الروح الباقي هو هذا الروح نفسه قد خرج بجميع صفاته وأخلاقه وأعماله ، فهو ينظر إلى نفسه وينفر أو ينشرح بحسب ما يرى ، وما الثمر إلا بحسب الشجر ، فإذا كان هنا ساهيا لا هيا فهناك يكون أكثر سهوا ولهوا وأبعد مدى في الضلال ، لأن آلات العلم والعمل قد عطّلت ، وبقي فيه مناقبه ومثالبه ، ولا قدرة على الزيادة في الأولى ولا النقص في الثانية . وبعد أن ذكر سبحانه درجات الخلق في الآخرة وشرح أحوال السعداء ، أردفه بتحذيرهم من وساوس أرباب الضلال والخديعة بمكرهم فقال :
( وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ )
أي وإن المشركين قاربوا بخداعهم أن يوقعوك في الفتنة بصرفك عما أوحيناه إليك من الأحكام ، لتتقوّل علينا غير الذي أوحيناه إليك مما اقترح عليك . أخرج ابن إسحاق وابن مردويه وغيرهما عن ابن عباس « أن أمية بن حنف وأبا جهل ورجالا من قريش أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقالوا تعال فتمسّح بآلهتنا ، وندخا