تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
وخلاصة ذلك - تواضع ولا تتكبر ، فإنك مخلوق ضعيف محصور بين حجارة وتراب ، فلا تفعل فعل القوى المقتدر . ولا يخفى ما في الآية من التقريع والتهكم والزجر لمن اعتاد ذلك . ثم علل هذا النهى بقوله :
( إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا )
أي لن تخرق الأرض بدوسك وشدة وطأتك ، ولن تبلغ الجبال التي هي بعض أجزاء الأرض في الطول حتى يمكنك أن تتكبر عليها ، فالتكبر إنما يكون بالقوة وعظم الجثة وكلاهما غير موجود لديك ، فما الحامل لك على ما أنت فيه وأنت أحقر من كل من الجمادين ؟ وكيف يليق بك الكبر ؟
( كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً )
أي كل الذي ذكر من الخصال أثناء الأوامر والنواهي وهي الخمس والعشرون السالفة كان سيئه وهو ما نهى عنه منها ، من الجعل مع اللّه إلها آخر وعبادة غيره ، والتأفف والتبذير ، وغل اليد ، وقتل الأولاد خشية الإملاق - مكروها عند ربك أي مبغوضا عنده وإن كان مرادا له تعالى بالإرادة التكوينية كما قال صلى اللّه عليه وسلّم « ما شاء اللّه كان ، وما لم يشأ لم يكن » وهذه الإرادة لا تستدعى الرضا منه سبحانه . وفي وصف هذه الأشياء بالكراهة مع أن أكثرها من الكبائر - إيماء إلى أن الكراهة عنده تعالى تكفى في وجوب الكف عن ذلك . ثم بين وجوب امتثال تلك الأوامر ، وترك تلك النواهي فقال :
( ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ )
أي هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الحميدة ، ونهيناك عنه من الرذائل ، مما أوحينا إليك من فقه الدين ومعرفة أسراره ، ومن الحكم في تشريعه . أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضى اللّه عنهما إن التوراة كلها في خمس عشرة آية من بني إسرائيل ثم تلا
( لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ )
الآية .