تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً . لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا . وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً »
. ولما كان هذا الكلام غاية في الوضوح والبيان ، ولا يخفى فهمه على إنسان ، ثم هم بعد ذلك أعرضوا عنه نبه إلى ذلك بقوله :
( وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً )
أي ولقد بينا في هذا القرآن الآيات والحجج ، وضربنا لهم الأمثال ، وحذرناهم وأنذرناهم ، ليتذكروا ويتعظوا فيقفوا على بطلان ما يقولون - فإن التكرار يقتضى الإذعان واطمئنان النفس - وهم مع ذلك لا يعتبرون ولا يتذكرون بما يرد عليهم من الآيات والنذر بل ما يزيدهم التذكير إلا نفورا وبعدا عن الحق وهربا منه . ثم رد على هؤلاء الذين يشركون بربهم ، ويتخذون الشفعاء والأنداد وندد عليهم وسفه أحلامهم فقال :
( قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا )
أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين الذين جعلوا مع اللّه إلها آخر : لو كان الأمر كما تقولون وأن معه آلهة تعبد لتقرّب إليه وتشفع لديه - لكان أولئك المعبودون يعبدونه ، ويتقربون إليه ، ويبتغون لديه الوسيلة ، فاعبدوه وحده كما يعبد من تدعونه من دونه ، ولا حاجة لكم إلى معبود يكون واسطة بينكم وبينه ، فإنه لا يحب ذلك ولا يرضاه ، بل يكرهه ويأباه . وقد نهى عن ذلك على ألسنة رسله وأنبيائه ونزه نفسه عن ذلك فقال :
( سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً )
أي تنزيها للّه وعلوّا له عما تقولون أيها القوم من الفرية والكذب ، فهو اللّه الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد . وفي الآية إيماء إلى وجود البون الشاسع بين ذاته وصفاته سبحانه ، وبين ثبوت الصاحبة والولد والشركاء والأضداد ، للمنافاة التي لا غاية وراءها ، بين القديم والمحدث والغنى والمحتاج .
تفسير المراغي — صفحة 50 | أحمد مصطفى المراغي