وفي الآية إيماء إلى أن الأولى للولي ألا يقدم على استيفاء القتل ، وأن يكتفى بالدية أو يعفو .
( إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً )
أي إن اللّه نصر الولي بأن أوجب له القصاص أو الدية ، وأمر الحكام أن يعينوه على استيفاء حقه ، فلا يبغى ما وراءه ولا يطمع في الزيادة على ذلك .
وقد يكون المعنى : إن المقتول ظلما منصور في الدنيا بإيجاب القود له على قاتله ، وفي الآخرة بتكفير خطاياه ، وإيجاب النار لقاتله ، وهذه الآية أول ما نزل من القرآن في شأن القتل ، لأنها مكية .
وبعد أن نهى عن إتلاف الأنفس نهى عن إتلاف الأموال ، لأن المال أخو الروح ، وأحق الناس بالنهى عن إتلاف ماله هو اليتيم لضعفه وكمال عجزه ولذلك قال :
( وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ )
أي لا تتصرفوا في مال اليتيم إلا بالطريق التي هي أحسن الطرق ، وهي طريق حفظه وتثميره بما يزيد به ، حتى تستحكم قوة عقله وشبابه ، وإذ ذاك يمكنه القيام على ماله بما فيه المصلحة .
ولما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فكانوا لا يخالطون اليتامى في طعام ولا غيره ، فأنزل اللّه تعالى :
« وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ »
فكانت لهم فيها رخصة .
ونظير الآية قوله تعالى :
« وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ »
.
وبعد أن نهى عن الزنا والقتل وأكل مال اليتيم أتبعها بثلاثة أوامر فقال :
( 1 )
( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ )
أي وأوفوا بما عاهدتم اللّه عليه من التزام ما كلفكم به ، وما عاهدتم الناس عليه من العقود التي تتعاملون بها في البيوع والإجارة ونحوها ، قال الزجاج : كل ما أمر اللّه به ونهى عنه فهو من العهد ، ويدخل في ذلك ما بين العبد وربه ، وما بين العباد بعضهم وبعض .
والوفاء به القيام بحفظه على الوجه الشرعي والقانون المرضى .