يعلمها كل أحد من نفسه ، فما من أحد إلا يعلم أنه كان معدوما ثم وجد ، وليس وجوده من نفسه . ولا مستندا إلى شئ من المخلوقات ، لأنها مثله ، وقد أشار إلى ذلك بقوله :
( لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي )
أي لكن أنا لا أقول بمقالتك ، بل أعترف بالوحدانية والربوبية وأقول هو اللّه ربى .
( وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً )
فهو المعبود وحده لا شريك له .
وفي هذا تعريض بأن صاحبه لما عجز اللّه عن البعث فقد جعله مساويا لخلقه في هذا العجز ، وإذا أثبت المساواة فقد أثبت الشريك .
ثم زاد في عظة صاحبه فقال له :
( وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ : ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ )
أي وهلا إذ أعجبتك جنتك حين دخلتها ونظرت إليها - حمدت اللّه على ما أنعم به عليك ، وأعطاك من المال والولد ما لم يعط غيرك ، وقلت : الأمر ما شاء اللّه ، والكائن ما قدره اللّه ، ليكون ذلك منك اعترافا بالعجز ، وبأن كل خير بمشيئة اللّه وفضله ، وهلا قلت : لا قوة إلا باللّه ، إقرارا بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها فإنما هو بمعونة اللّه وتأييده .
وبعد أن نصح الكافر بالإيمان ، وأبان له عظيم قدرة اللّه وكبير سلطانه - أجابه عن افتخاره بالمال والنفس ورد على قوله : أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا فقال :
( إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً ، فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً . أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً )
أي إن ترني أيها الرجل أفقر منك فإني أرجو اللّه أن يقلب الآية ، ويجعل ما بي بك ، ويرزقني الغنى ، ويرزقني لإيمانى جنة خيرا من جنتك ، ويسلبك بكفرك نعمته ، ويخرب جنتك ، بأن يرسل عليها مطرا من السماء يقلع زروعها وأشجارها ، أو يجعل ماءها يغور في الأرض ، فلن تطيق أن تدركه بعد غوره بطلبك إياه .