تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
ولم تنقص منه شيئا في سائر الأعوام على خلاف ما يعهد في الكروم والأشجار من أنها تكثر غلتها أعواما وتقل أعواما أخرى .
( وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً )
أي وشققنا وسط الجنتين نهرا كبيرا تتفرع منه عدة جداول ، ليدوم سقيهما ، ويزيد بهاؤهما وتكثر غلتهما .
( وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ )
أي وكان لصاحب الجنتين أموال أخرى غيرهما من ذهب وفضة ثمرها بما ادخره من غلات الجنتين ومن تجارات أخرى . وخلاصة ذلك - إنه سبحانه أنعم عليه بخيرات الدنيا صامتها وناطقها ، ثاغيها وراغيها ، وكان له مزارع يستخدم فيها أعوانه وخدمه ولا يستعصى عليه شئ من مسرات الدنيا ومباهجها ، ولذاتها ونعيمها . وبعد أن تم له الأمر وقعد على سنام العز والكبرياء ، داخله الزّهو والخيلاء .
( فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً )
أي فقال لصاحبه المؤمن حين حاوره وراجعه الحديث ، مذكرا له بالإيمان باللّه والبعث والقيامة : أنا أكثر منك مالا كما ترى من جناتي وزروعى المختلفة ، وأعز عشيرة ورهطا تقوم بالذبّ عنى ودفع خصومتى ، وتنفر معي عند الحاجة إلى ذلك . ثم زاد فخرا على صاحبه المسلم وأراه عيانا ما يتمتع به من المناظر البهيجة في تلك الجنان التي لا تفنى ، وذلك ما أخبر عنه سبحانه بقوله :
( وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ، قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً ، وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً )
أي ودخل هذا الذي جعلنا له جنتين من أعناب وأشجار ونخيل ، ومعه صاحبه ، هاتين الجنتين وطاف به فيهما مفاخرا وقال حين عاين ما فيهما من أشجار وثمار وزروع وأنهار مطردة : ما أظن أن تفنى هذه الجنة أبدا ولا تخرب - كما قال ( وهو شاك في المعاد إلى اللّه والبعث والنشور ) ما أظن أن يوم القيامة آت كما تقولون ، وقد كان في كل ذلك ظالما لنفسه ، إذ وضع الشيء في غير موضعه ، فقد كان أليق به أن يكون شاكرا لتلك
تفسير المراغي — صفحة 149 | أحمد مصطفى المراغي