تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
وما بعده ، فرجاله هم الأسوة ، وقد صح أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه لما وجد قبر دانيال في عهده بالعراق أمر أن يسوّى بالأرض ، وأن تدفن تلك الرّقعة التي وجدوها عنده وفيها شئ من الملاحم وغيرها من الأخبار . ولما ذكر سبحانه القصة ونزاع المتخاصمين فيما بينهم - شرع يقص علينا ما دار في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلّم من الخلاف في عدد أصحاب الكهف فقال :
( سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ، وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ ، وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ )
أي سيقول بعض الخائضين من أهل الكتاب ذلك ، فقد روى أن نصارى نجران تناظروا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في عدد أهل الكهف ، فقالت الملكانية ( أصحاب الملك ) : هم ثلاثة رابعهم كلبهم ، وقالت اليعقوبية : هم خمسة سادسهم كلبهم ، وقالت النسطورية : هم سبعة وثامنهم كلبهم ، وروى هذا عن ابن عباس ، وهو الحق بدليل أنه تعالى حكم على القولين السابقين بأنهما رجم بالغيب ، فأرشد ذلك إلى أن الحال في الأخير بخلافه ، وأنهم إنما قالوه عن ثبات علم ، وطمأنينة نفس .
( قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ )
في هذا إرشاد لنا إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم إلى اللّه تعالى ، إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم ، فإن اطلعنا على أمر قلنا به ، وإلا توقّفنا ولم نجزم بشيء .
( ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ )
أي ما يعلم عددهم إلا قليل من الناس . روى قتادة عن ابن عباس أنه قال : أنا من القليل الذي استثنى اللّه عزّ وجلّ ، كانوا سبعة سوى الكلب ، ولم يرد في الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم شئ في ذلك . وفي هذا دلالة على أن المهمّ ليس هو معرفة العدد ، بل المهمّ الاعتبار بذلك القصص ، وبما يكون نافعا لعقولنا وتطهير أخلاقنا ورقينا في حياتينا الدنيوية والأخروية .