وفي قولهم ( هذه ) إشارة إلى أن القائل كان قد أحضرها ليناولها بعض أصحابه ، وإلى أن التأهب لأسباب المعاش بحمل الدراهم ونحوها لمن خرج من منزله ، لا ينافي التوكل على اللّه كما
جاء في الحديث « اعقلها وتوكل » .
( فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ )
أي فليبصر أىّ الأطعمة أجود وألذّ فليأتكم بمقدار منه .
( وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً )
أي وليترفق في دخول المدينة ، وفي شرائه ، وفي إيابه منها ، ولا يخبرنّ بمكانكم أحدا من أهلها .
ثم ذكروا تعليل الأمر والنهى السالفين بقولهم :
( إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ )
أي إن الكفار إن علموا بمكانكم ولم تفعلوا ما يريدون منكم ، بل ثبتم على إيمانكم ، إما أن يقتلوكم رميا بالحجارة ، وكان ذلك هو المتبع في الأزمنة الغابرة فيمن يعلن خلاف ما عليه الجماهير في الأمور الدينية والسياسية التي لها شأن في الدولة ، وإما أن يعيدوكم إلى ملة آبائكم التي هم مستمسكون بها .
( وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً )
أي وإن دخلتم في ملتهم ولو بالإكراه والقسر لن تفوزوا بخير لا في دنياكم ولا في آخرتكم ، إذ ربما استدرجكم الشيطان إلى أن تستحسنوا ما ستعتنقونه من ذلك الدين الجديد ، وتستمرءوه فتستمروا عليه فيكون قد كتب عليكم الشقاء عند ربكم ، والخذلان الذي لا خذلان بعده .
( وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها )
أي وكما بعثناهم بعد طول رقدتهم كهيئتهم حين رقدوا ، ليتساءلوا بينهم فيزدادوا بصيرة بعظيم سلطانه تعالى ، ومعرفة حسن دفاع اللّه عن أوليائه - أعثرنا الفريق الآخر الذين كانوا في شك من قدرة اللّه على إحياء الموتى ، وفي مرية من إنشاء أجسام خلقه كهيئتهم يوم قبضهم بعد البلى ، ليعلموا أن وعد اللّه حق ، ويوقنوا أن الساعة آتيا لا ريب فيها ، إذ لا حجة لمن أنكرها إلا الاستبعاد ، ولكن وقوع ذلك الأمر العظيم