تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
وعلمهم به ، مما يخفف من غلوائهم ، ويكبح جماح إنكارهم ويردهم إلى رشدهم . ذاك أن حال هؤلاء الفتية في تلك الحقبة الطويلة ، وقد حبست عن التصرف نفوسهم ، وعطّلت مشاعرهم وحواسهم ، وحفظت من التحلل والتفتّت أبدانهم ، وبقيت على ما كانت عليه من الطراوة والشباب ، ثم رجعت بعدئذ تلك المشاعر والحواس إلى حالها ، وأطلقت النفوس من عقالها ، وأرسلت إلى تدبير أبدانها ، فرأت الأمور كما كانت ، والأعوان هم الأعوان ، ولم تنكر شيئا عهدته في مدينتها ، ولم تتذكر حبسها المدى الطويل عن التصرف في شؤونها - وحال الذين يقومون من قبورهم بعد ما تعطلت مشاعرهم وحبست نفوسهم - من واد واحد في الغرابة ، ولا ينكر ذلك إلا جاهل أو معاند ، ووقوع الأول يزيل الارتياب في إمكان وقوع الثاني ، ولا يبقى بعد ذلك شك في أن وعد اللّه حق ، وأن اللّه سيبعث من في القبور ، فيردّ عليهم أرواحهم ، ويجازيهم جزاء وفاقا بحسب أعمالهم إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، وهو الحكم العدل ، اللطيف الخبير .
( إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ )
أي وكذلك أطلعنا عليهم بيدروس وقومه حين ينازع بعضهم بعضا في أمر البعث ، فمن مقرّ به ، وجاحد له ، وقائل تبعث الأرواح دون الأجساد - ففرح الملك وفرحوا بآية اللّه على البعث ، وزال ما بينهم من الخلاف في أمر القيامة ، وحمدوا اللّه إذا رأوا ما رأوا مما يثبتها ، ويزيل كل ريب فيها . ثم حكى آراء القوم في شأنهم بعد اطلاعهم عليهم فقال :
( فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً )
أي إنهم انقسموا في شأنهم فريقين ، فريق يقول : نسد عليهم باب الكهف ونذرهم حيث هم ، وفريق يقول : نبنى عليهم مسجدا يصلى فيه الناس ، وقد غلب هذا الفريق الفريق الأول في الرأي . وقوله
( رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ )
جملة معترضة من كلامه تعالى ردا للخائضين في أمرهم
تفسير المراغي — صفحة 133 | أحمد مصطفى المراغي