تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
( وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا )
أي وآتيناك قرآنا فرقناه أي نزلناه مفرّقا منجّما ، وقد بدئ بإنزاله ليلة القدر في رمضان ، ثم أنزل نجوما في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع . وسر نزوله هكذا بعضه إثر بعض أن تقرأه على الناس بتؤدة وتأنّ ليسهل عليهم حفظه ويكون ذلك أعون على تفهم معناه . أخرج البيهقي في الشّعب عن عمر رضى اللّه عنه أنه قال : تعلّموا القرآن خمس آيات خمس آيات ، فإن جبريل عليه السلام كان ينزل به خمسا خمسا ، وكذلك أخرج ابن عساكر عن أبي سعيد الخدري ، والمراد أن الغالب كذلك ، فقد صح أنه نزل بأكثر من ذلك وبأقل منه . وفائدة قوله : ونزلناه تنزيلا بعد قوله فرقناه - بيان أن ذلك التنزيل لمقتض وهو التنزيل بحسب الحوادث . ثم هددهم سبحانه على لسان نبيه صلى اللّه عليه وسلّم بقوله :
( قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا )
أي قل لهؤلاء الضالين القائلين لك : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا - آمنوا بهذا القرآن الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لم يأتوا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا - أو لا تؤمنوا به ، فإن إيمانكم به لن يزيد في خزائن رحمة اللّه ، ولا ترككم للايمان به ينقص ذلك . ثم علل عدم المبالاة بهم ، واحتقار شأنهم ، بقوله :
( إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً . وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا )
أي وإن تكفروا به فإن العلماء الذين قرءوا الكتب السالفة من قبل نزول القرآن ، وعرفوا أن اللّه سيبعث نبيا - يخرون للّه سجّدا ، شكرا له على إنجاز وعده بإرسالك ، حين يتلى عليهم هذا القرآن ، ويقولون في سجودهم ، تنزه ربنا عن خلف الوعد إنه كان وعده آتيا لا محالة . والخلاصة - إنكم إن لم تؤمنوا به فقد آمن به أحسن إيمان من هو خير منكم ، وفيه تسلية لرسوله صلى اللّه عليه وسلّم وازدراء لشأنهم .