تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
وبعد أن نبههم سبحانه إلى عظمته ذكّرهم بنعمه عليهم وإحسانه إليهم فقال :
( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها )
أي وإن تعدوا نعم اللّه لا تضبطوا عددها فضلا عن أن تستطيعوا القيام بشكرها ، فإن العبد مهما أتعب نفسه في طاعته ، وبالغ في شكران نعمه ، فإنه يكون مقصرا ، فنعم اللّه كثيرة ، وعقل المخلوق قاصر عن الإحاطة بها ، ومن ثم فهو يتجاوز عن ذلك التقصير ، وإلى ذلك أشار بقوله :
( إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ )
فيستر عليكم تقصيركم في القيام بشكرها .
( رَحِيمٌ )
بكم فيقيض عليكم نعمه مع استحقاقكم للقطع والحرمان ، بما تأتون وما تذرون من أصناف الكفر والعصيان ، ومن أفظع ذلك وأعظمه جرما المساواة بين الخالق والمخلوق . قال بعض الحكماء : إن أىّ جزء من البدن إذا اعتراه الألم نغّص على الإنسان النعم ، وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الألم ، وهو سبحانه يدبّر جسم الإنسان على الوجه الملائم له ، مع أنه لا علم له بوجود ذلك ، فكيف يطيق حصر نعمه عليه أو يقدر على إحصائها ، أو يتمكن من شكر أدناها ؟ . ربنا هذه نواصينا بيدك ، خاضعة لعظم نعمك ، معترفة بالعجز عن تأدية الشكر لشئ منها ، لا نحصى ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ، ولا نطيق التعبير بالشكر لك ، فتجاوز عنا ، واغفر لنا ، وأسبل ذيول سترك على عوراتنا ، فإنك إلا تفعل نهلك ، لتقصيرنا في شكر نعمك ، فكيف بما فرط منا من التساهل في الائتمار بأوامرك ، والانتهاء عن مناهيك ؟
العفو يرجى من بني آدم * فكيف لا يرجى من الربّ اه
وبعد أن أبطل عبادة لأصنام ، من قبل أنها لا قدرة لها على الخلق والإنعام ، أبطل عبادتها بوجه آخر وهو أن الإله يجب أن يكون عليما بالسر والعلانية ، وهذه الأصنام جماد لا معرفة لها بشيء فكيف تجمل عبادتها ؟ وإلى ذلك أشار بقوله :
( وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ )
أي واللّه يعلم ما تسرونه في ضمائركم ، وتخفونه عن غيركم ، وما تبدونه بألسنتكم وجوارحكم وأفعالكم ، وهو محص ذلك كله عليكم