تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
لما يلزم ذلك من المشابهة بينه تعالى وبينها ، ثم أردف ذلك بيان أن لهذا الخالق نعما لا تحصى على عباده ، وأنهم مهما بالغوا في الشكر ، واجتهدوا في العبادة ، فليسوا ببالغين شيئا مما يجب عليهم نحوه ، ولكنه يستر عليهم ما فرط من كفرانها ، ويرحمهم بفيض النعم عليهم مع عدم استحقاقهم لها ، ثم أعقب هذا بذكر خواص الألوهية وهي علم السر والنجوى والخلق وهذه الأصنام ليس لها شئ من ذلك ، فهي مخلوقة لا خالقة ، ولا شعور لها بحشر ولا نشر ، ومن هذا كله يعلم أن الإله واحد لا شريك له ، ثم ذكر الأسباب الداعية إلى الإشراك ، وهي تحجّر القلوب وإنكار التوحيد ، فهي لا ترغب في الثواب ، ولا ترهب العقاب ، وتستكبر عن عبادة الواحد الديان - لا جرم بقيت مصرّة على ما كانت عليه من الجهل والضلال .

الإيضاح

( أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ ؟ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ؟ )
أي أفمن يخلق هذه الخلائق العجيبة التي عددناها عليكم وينعم هذه النعم العظيمة - كمن لا يخلق شيئا ولا ينعم نعما صغيرة ولا كبيرة ، أفلا تذكرون هذه النعم وهذا السلطان العظيم والقدرة على ما شاء من الحكمة ، وعجز أوثانكم وضعفها ومهانتها ، وأنها لا تجلب إلى نفسها نفعا ، ولا تدفع ضرا ، فتعرفوا بذلك خطأ ما أنتم عليه من عبادتها ، وإقراركم لها بالألوهية . وخلاصة هذا - الإنكار عليهم ورميهم بالجهل وسوء التقدير وقلة الشكر لمن أنعم عليهم بما لا يحصى من النعم ، مع وضوح ذلك وقلة احتياجه إلى تدبر وتفكر وإطالة نظر ، بل يكفى فيه تنبه العقل ، ليعلم أن العبادة لا تليق إلا للنعم بكل هذه النعم ، أما هذه الأصنام التي لا فهم لها ولا قدرة ولا اختيار ، فلا تنبغى عبادتها ولا الاشتغال بطاعتها . قال قتادة في الآية : اللّه هو الخالق الرازق ، لا هذه الأوثان التي تعبد من دون اللّه ، لا تخلق شيئا ولا تملك لأهلها ضرا ولا نفعا اه .