تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم « اتقوا فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور اللّه تعالى ، ثم قرأ : إن في ذلك لآيات للمتوسمين » . والفراسة على نوعين : ( 1 ) ما يوقعه اللّه في قلوب الصلحاء فيعلمون بذلك أحوال الناس بالحدس والظن ( 2 ) ما يحصل بدلائل التجارب والأخلاق . وقد صنّف الناس في القديم والحديث كتبا في ذلك ، وبعض العلماء يجعلها دليلا يحكم به كما فعل إياس بن معاوية ( كان قاضيا ذكيا في عهد التابعين ) . ثم لفت أنظار أهل مكة إلى الاعتبار بها لو أرادوا فقال :
( وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ )
أي وإن هذه المدينة - مدينة سدوم - التي أصابها ما أصابها من العذاب - لبطريق واضح لا تخفى على السالكين ، فآثارها باقية إلى اليوم لم تندثر ولم تخف ، فالذين يمرون عليها من الحجاز إلى الشام يشاهدون آثارها كما قال في الآية الأخرى :
« وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ . وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ »
. ثم أيأس من اعتبارهم بها ، إذ هي لا يعتبر بها إلا المؤمنون فقال :
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ )
أي إن فيما فعلناه بقوم لوط من الهلاك والدمار وإنجائنا لوطا وأهله - لدلالة جلية للمؤمنين المصدقين باللّه ورسله ، إذ هم يعرفون أن ذلك إنما كان انتقاما من اللّه لأنبيائه من أولئك الجهال الذين عصوا أمر ربهم ، وكفروا برسله ولم يرعوا عن غيّهم وضلالهم بعد إنذارهم ونصحهم . أما الذين لا يؤمنون باللّه فيجعلون ذلك حوادث كونية ، لأسباب فلكية ، وشؤون أرضية ، جعلت الأرض تنهار لحدوث فراغ في بعض أجزائها . كما يشاهد اليوم في البلاد ذات البراكين من اختفاء بلاد في باطن الأرض وابتلاع الأرض لها كما حدث في مدينة مسينا بإيطاليا سنة 1909 ، وظهور جزائر في وسط المحيطات لم تكن من قبل