تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
( وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ )
أي وكن من وراء أهلك الذين تسرى بهم ، وعلى إثرهم لتذود عنهم ، وتسرع بهم ، وتراقب أحوالهم ، حتى لا يتخلّف منهم أحد لغرض ، فيصيبه العذاب .
( وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ )
فيرى ما ينزل بقومه فيرق قلبه لهم ، وليوطن نفسه على الهجرة ، ويطيب نفسا بالانتقال إلى المسكن الجديد . ثم أكدوا هذا النهى بقولهم
( وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ )
أي وامضوا حيث يأمركم ربكم غير ملتفتين إلى ما وراءكم كالذي يتحسر على مفارقة وطنه ، فلا يزال يلوى له أخادعه كما قال أبو تمام :
تلفت نحو الحىّ حتى وجدتني * وجعت من الإصغاء ليتا وأخذعا
والخلاصة - إنهم أمروا بمواصلة السير ونهوا عن التواني والتوقف ليكون ذلك أقطع للعوائق ، وأحق بالإسراع للوصول إلى المقصد الحقيقي وهو بلاد الشام . ثم بين العلة في الأمر بالإسراء السريع فقال :
( وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ )
أي وأوحينا إليه أن ذلك الأمر مقضى مبتوت فيه : ثم فصّل ذلك الأمر فقال :
( أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ )
أي إن آخر قومك وأولهم مجذوذ مستأصل صباح ليلتهم ، ولا يبقى منهم أحد ونحو الآية قوله :
« فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا »
. ثم شرع يذكر ما صدر من القوم حين علموا بقدوم الأضياف وما ترتب عليه بما أشير إليه أولا على سبيل الإجمال فقال :
( وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ )
أي وجاء أهل سدوم حين سمعوا أن ضيفا قد ضاقوا لوطا - مستبشرين بنزولهم مدينتهم طمعا في ركوب الفاحشة منهم . وفي هذا إيماء إلى فظاعة فعلهم ، إذ هم خالفوا ما جرى به العرف ، وركب في الأذواق السليمة ، من إكرام الغريب وحسن معاملته ، وقصدوا بهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين .